الأرشيف للتصنيف ‘مقالات’

mso@ chrst

مصنف تحت: حفلة, حماس, كمال زاخر, مقالات

 رسالة مفتوحة إلى مينا غرباوى

بقلم د. محمد يحيى الرخاوى  

تمهيد:

تصورت أن صديقى العزيز جداً مينا غرباوى -وهو من استضافنى وساعدنى بما لا يمكن وصفه ولا شكره بما يكفى فور وصولى إلى نيوزيلاندا مجرباً مشروع الهجرة- تصورت أنه قد أرسل لى متسائلاً عن تفاصيل الأحداث الطائفية الأخيرة فى مصر، فما وصله من أخبار لا يروى له ظمأ، ولا يوضح له رؤية، ولا يطمئن له بالاً.

تصورت أن رسالة مينا كانت شديدة الصراحة حيث ملأها عتاباً لكل المهونين من حجم معاناة المصريين المسيحيين فى المجتمع المصرى. كدت أتشمم رائحة عتاب موجه لى شخصياً، على الرغم مما يدركه مينا عنى. وكأننى فجأة لم أعد المغترب "المصرى" الذى يستضيفه مينا دون سابق معرفة، بل لمحض كونه بلدياته دون حاجة لأوصاف أخرى (مع علمه المسبق بأن اسمى محمد). تشممت فى رائحة عتابه كأنه اكتشف فجأة أننى عضو جماعة دينية مغايرة، وكأنها تحمل تهديداً لما ينتمى إليه.

أصابنى جزع، وكنت قد تحدثت مع مينا مرة واحدة فى جوهر المعتقد الدينى. تحيزت لإطارى (وما زلت) وتحيز لإطاره (ومازال، فى الأغلب الغالب، أو قل: بالطبع). كدنا نحتد وكل منا يريد من الآخر أن يرى بعينه. خافت زوجتانا من حدتنا على علاقتنا، ولكنهما كانتا متفرجتين. أنا لم أخف، ولا أظن أن مينا خاف. لم يكن ما يحركنا إلا حب ورغبة فى الائتناس بكون الآخر يتمتع بما أتمتع. كنت أريد أن أقابله فى الجنة، ومن المحتمل أنه كان يريد أن يرانى هناك أيضاً (إلى جانب الرغبة فى بعض الشطارة فى استخدام الحجة والرغبة فى الفوز بالنقاش بداهة)؛ لهذا فأنا لا أعتقد أبداً أن الفوارق المعتقدية هى ما شكا منه مينا وعاتبنى عليه.

لماذ أشم تلك الرائحة الآن؟ لماذا لا أستطيع تفسير رسالته فى نفس الإطار الذى أفسر فيه حديثنا المشار إليه؟ كان علىَّ الرد على مينا، لا لأننى أريد أن أثبت شيئاً، ولكن لأننى أحب مينا فعلا. فيما يلى نص الرد على الرسالة المتخيلة.

عزيزى مينا:

وصلتنى رسالتك. كيف حالك؟

أما بالنسبة للأحداث الأخيرة؛ فـ "الأحداث الأخيرة" مصطلح أنظر له بريبة دائماً. عادة لا تحمل الأحداث الأخيرة جديداً، فهى دائماً نتيجة مقوماتها. ربما تحمل الأحداث إعلاناً للمدى الذى وصل إليه إنكارنا لمقدماتها، وسط إنكارنا لباقى المؤشرات فى حالنا. ربما كانت تواجهنا بتأجيلنا تحمل الألم الناتج عن مواجهة أنفسنا بما نحن فيه وإليه، بل ربما أيضاً بتأجيل فرحة اكتشاف أنفسنا بما تحمله من مخاطر النجاح فى تحقيقها. نعم الخوف من النجاح بكل ما يحمله من مخاطر تحمل مسؤوليات التغير: التغير من العجز والتبعية والجمود إلى الإسهام والحيوية والحركة، مخاطر الإلزام والالتزام بأن نكون موجودين، الآن ودون تأجيل.

أما بالنسبة لعتابك، فصدقنى يا مينا أنا زهقت من الكلام الذى أقرأه عن الوحدة الوطنية، ولا أريد أن أكرره نهائياً. زهقت من أننا المسلمين بنحب المسيحيين جداً جداً، وأنكم أيضاً تحبوننا جداً جداً. كلام يذكرنى بمادة التربية القومية التى كنا ندرسها فى المدارس زمان، فكرَّهَتْنى وكرَّهَت أمثالى فى … (أستغفر الله وأعوذ به من الشيطان الرجيم). عموماً أحمد الله أنها مادة لم تستطع –على كل ما عاملناها به من كراهية وسخرية واستهانة- أن تجعلنى أكره وأسخر وأستهين بمصر, أدع معى الله ألا يقرروا على أولادنا مادة تربية الوحدة الوطنية. أنا لا أريد ابتذالها بالكلام، الكلام ينقص منها يا مينا.

ولكن حتى إذا كنت أحبك: ماذا أفعل مع نفسى وأنا لست أنت؟ وأنا أريد (فى هذه المرحلة من عمرى على الأقل) أن أظل أنا. ترى هل أعرف من أنا؟ هل يعرف كل منا من هو؟ كيف أختار أن أكون أنا دون أن أستفزك فتنكر علىّ حقى هذا وكأنه يهدد كونك أنت أنت، أو يستفز اختيارك أو يشكك فيه؟ ثم هل أنا هو أنا، وهل أنت هو أنت؟

من منا مسلم ومن منا مسيحى؟ سؤال طرح نفسه على بمجرد أن بدأت أستوضح معانى رسالتك. ما محكات إسلامى وما محكات مسيحيتك أو مسيحية سامح باخوم (مثلاً) وهو أول اسم مسيحى أرتبط به ارتباطاً شديداً فى السنة الأولى الابتدائية.

ألأن اسمى محمد يحيى الرخاوى تعتبرنى مسلماً ويوافق إخوانى المسلمون على احتمال دخولى الجنة (من حيث المبدأ) ؟ هل أنا وافقت على هذا الاسم (مع ما يحمله من دلالات) أو أتيحت لى فرصة للموافقة أوالرفض؟ أليس من حقى أن أُعَرِّف نفسى بنفسى، أن أُعَرِّف انتماءاتى بانتماءاتى؟ ألا أرغب أحياناً فى ألا يحكم على العالم (موظف جوازات أو أمن فى بلد غربى مثلاً) بمجرد قراءته للاسم (الذى اختاره أبى لمجاملة عمى المغترب آنئذ، أو ربما ليأسرنى طول عمرى فى اختياره وفى نسبتى الدائمة له)؟ أليس من حقى أن أنتظر من العالم أن يسألنى عن اختياراتى وعن معناها؟ أليس من حقى أن يبذل العالم جهداً ليتعرف على؟ ثم إلى أى إسلام من الإسلامات المطروحة أنتسب فعلاً؟ ما البدائل المتاحة لكى أسمّى كونى مسلماً اختياراً؟

لأسباب شخصية: أنا لا أنتمى لاسمى بشدة، فهو لا يميزنى. كان كثير من زملاء فصلى فى المدرسة اسمهم محمد، ولكنهم جميعاً كانوا يتمتعون بأسماء مركبة لا نعرفهم إلا بها. محمد كان اسماً رسمياً يبدو أنه يكتب فى شهادة الميلاد من باب التبرك باسم الرسول عليه الصلاة والسلام فحسب؛ فبينما محمد حسنى مبارك هو حسنى مبارك، وبينما محمد أنور السادات هو أنور السادات، فإن محمد يحيى الرخاوى هو ابن يحيى الرخاوى. أعرف على الأقل سبعة اسمهم "محمد الرخاوى" وأنا بعد لم أبذل أى جهد فى الإحصاء، أما عن "محمد يحيى" فحدث ولا حرج عن كون الإحصاء غير مجد أساساً. أنا لم أختر اسمى، ولا أنت فعلت. تماما كما أننى لم أختر دينى، ولا أنت. ولكن كان على الاختيار.

ولكن: الحق أقول لك، إن مشكلة معاناتى مع اسمى هذه مشكلة مفتعلة؛ لم تكن تظهر إلا لأصوغ بها مشكلة أخرى مع حضور أبى الذى لا يترك لى مساحة سهلة. هى مشكلة مفتعلة لم أعان منها أبداً بالشكل الذى قد توحى به تلك التساؤلات الطلقة. حتى فى المرات التى يمكن أن يزعجنى فيها أن يسألنى أحدهم –الذى أسلم عليه لأول مرة- عن قرابتى ليحيى الرخاوى، لم يكن ردى يخلو من فخر أبداً. كان من الفخر دائماً أن أجيب: "ابنه". لا يبدأ الإزعاج إلا عندما يصر أحد المحدثين على أن يؤطرك فى إطاره بكل أحكامه المسبقة ومتضمناته الجزافية، دون أن يترك لك مساحة لتجدد اللحظة الجديدة التى تجمعكما، عندها يصبح الذنب ذنبه، والحقيقة أن الإزعاجات من هذا النوع واردة دائماً، سواء كنت ابناً ليحيى الرخاوى أو لم تكن. سواء كان اسمك يحمل معه ديانتك أو لم يكن.

حتى مشكلة ضياع حقى فى الاختيار (ألا أكون مسلماً أو محمداً أو ابنا ليحيى الرخاوى مثلاً) فهى مشكلة مفتعلة. ما الذى يدعونى لافتراض أن حريتى تعنى إتاحة جميع الاختيارات أمامى قبل أن أتشكل أصلاً فى شكل ما، هوية ما، "أنا ما" حتى لو كنت لا أطيقها، لكى أستطيع يوماً ما أن أمارس الاختيار؟ لا بد مما ليس منه بد، لا بد من اسم ما، ولا بد أن الاسم سيحمل معه ويرتبط بدلالات وانتماءات ما. لا بد إذن من اختيارات مسبقة تسبقك وتصبغك بدلالاتها اخترت أو لم تختر. هل اخترت أن تولد أصلاً؟ هل اخترت أن تولد فى هذا العصر الذى يغلى ويتعثر وتنتمى له حتماً؟ هل اخترت أن تولد فى هذه البقعة الجغرافية تحديداً بكل ما أملته عليك من إملاءات؟ هل اخترت أن تخضع مرغماً لقانون الجاذبية الأرضية بكل ثقله وثقل همومك معه؟ كيف يمكنك أن تختار ألا تموت؟ هل تتميز عن أحد أو يتميز عنك أحد فى إجابة أى من هذه الأسئلة؟ لا بد من اختيارات مسبقة، تسبقك وتفرض نفسها عليك؛ فماذا أنت فاعل؟

ربما يكون من الممكن أن يختار أحدهم، أن يختار بقدر ما يمكنه، بما فى ذلك الاسم والدين، ويختار أن يدفع ثمن تلك الحرية المحددة. ولكن هذا موضوع آخر. نحن المصريين مسلمين ومسيحيين اخترنا ألا نفعل، مفضلين الإبقاء على ميراثنا واستغلاله. هل هذا جبن فى نظرهم؟؟ ولو. بالنسبة لى ولك: هذا حقنا ونحن أحرار فيه. ألا يجمعنا هذا يا مينا؟

لا يمكنك أن تبدأ إلا من حيث أنت. هكذا يا مينا أصبحت مسلماً، وأحاول أن أعمق إسلامى كما تعرف. وهكذا أيضاً أصبحت أنت مسيحياً مخلصاً يعجبنى تمسكه بدينه (للحق: وبدرجة أغار منها بعض الشىء أيضاً). يمكنك أن تكافح فى سبيل حريتك بعض الشىء، يمكنك أن تسعى للتمييز بين الحتمى والضرورى وما ليس أيهما. ولكن لن يمكنك أن تبدأ إلا من حيث أنت، لا من حيث ما تتصور أنه ينبغى أن يكون، ولا من حيث تتمنى أن تكون، وبعد هذه البداية الموفقة، ليكن ما يكون. أنت يا مينا بالذات كنت من علمنى قانوناً فى منتهى الأهمية فيما يخص الهجرة (أى هجرة)، أنت كنت أول من قال لى بمجرد أن استقبلتنى فى مهجرنا: "إذا لم تكن مبسوطاً فى مصر لن تنبسط هنا". هكذا ليس أمامى إلا أن أقبل أن اسمى محمد، بل محمد يحيى الرخاوى بالذات. حين قبلتها استطعت أن أكون أفضل بكثير مما كنت. ربما لو لم أهاجر ما عرفت قيمة ما أنا فيه من الأصل. ربما يحتاج كل منا إلى تجربة الشك حتى يتيقن من صدق اختياره لما هو فيه، إلى تجربة البعد حتى يطمئن إلى صدق قربه. ولكنها تظل تجربته الشخصية هو، وتظل الأثمان التى عليه أن يدفعها اختياراته هو. بأى حق أحكم على من لم يتشككوا فى اختياراتهم بأنهم لم يختاروا؟ هل إيمانهم أكثر أصالة منى ومنك؟ هل إيمانهم أكثر سطحية منى ومنك؟ بأى حق نحكم؟

لا ليس ما يبعدك عنى أو يخيفك منى أو يزعجك أن اسمى محمد، ولا أنه ليس أمامى إلا أن أتمسك بهذا الاسم؟ لماذا لم نكن بعيدين عن بعضنا فى نيوزيلاندا؟ بالمناسبة: اسمك يعجبنى لأسباب تتعلق بهويتنا المصرية. لماذا لم يكن أى من مسيحيى المدرسة بعيداً عن أى من مسلمى المدرسة عندما كنا فى المدرسة؟ أول "علقة" -أذكرها حتى الآن- فى المدرسة كانت عندما ذهبت مع "سامح باخوم" إلى حصة الدين المسيحى، لم أكن أعرف ما المطلوب عندما بدأ الفصلان فى تبادل الأماكن بين المسيحيين والمسلمين من أجل حصة الدين؛ فذهبت مع سامح. لست أقول هذا لأننى من المغرمين بحلاوة أيام زمان مما أشك فى صحته ولو بعض الشىء. تعودت ألا أطمئن للحديث عن أيام زمان، ولكن لم يزل موضوعنا هذا يورطنى فى العودة إليها والاستشهاد بها مراراً وتكراراً.

هل هى طفولة وسذاجة أن أثق فى أيام زمان وفى ذاكرتى عنها؟؟ ليكن، أرجوك: لا تنكر على سذاجتى. هل من المفيد دائماً أن أشعر بالخزى منها؟ نعم أنا ساذج، ودائماً ما كانت لدى أفكار ساذجة عجيبة. بعض السذاجة يقوّى العزيمة ويورط فى إنجازات لن تتم لو زادت حدة الرؤية.

نعم كانت لدى أفكار ساذجة عجيبة. دعنى أحكى لك عن تلك المرة ونحن فى السيارة فى الطريق الزراعى نسافر لقرية والدى (التى لم تعد قريتى). كنا نعبر بلاد الدلتا، وكان أبى قد كلفنى بمرافقة ضيف أجنبى (فرنسى) إلى هناك على أن يلحقنا. فى الطريق الزراعى (الذى كان زراعياً آنئذ) أشرت له على حقول الذرة قائلاً ما معناه أن هذا اللون الأخضر الزرعى بهذه الكثافة لا يوجد فى بلد فى العالم إلا مصر، يبدو أنه لم يرغب فى إحراجى؛ فأنا لا أذكر إجابته، ولكن: يا لحرجى من نفسى الآن. ما المفيد الآن فى أن يعرف عمر ابنى أن هذه فكرة محرجة؟ عمر يعرف الآن أن مصر صحراوية جداً، وخصوصاً بالنسبة لفرنسا، ولكنه أيضاً فخور جداً بالصحراء المصرية بكل تنوعاتها وإدهاشها وجمالها، يحبها أكثر مما يحب المطر والخضرة، ودائماً يصر على أن يدعو أصدقاءه (من الكشافة الأجانب، فهو عضو نشط فى فرقة كشافة عصام فرنسيس) إلى جمال لم يعهدوه فى بلادهم. هو فخور بصحرائه، وربما أمكن لفخره أن يستخرج منها ما تنازلنا نحن عنه. لصالح ماذا أستخدم المعايير الجمالية (السائدة!!) الحالية فى الحكم على الصحراء!؟، تلك المعايير التى يمليها علىّ نظام الاقتصاد العالمى الحالى بكل سطوته على المذاهب والمعانى والسياسات والأوطان والبيئات …إلخ!؟ لصالح من أستخدمها لكى أقنعه أنه واهم وأن جمال خضرتهم وانتعاش طقسهم هو المعيار والقيمة التى تخلفنا عنها!؟ لماذا لا يكون الحر جميلاً، والغبار الخماسينى طارئاً دورياً مذكراً بنعمة عكسه، وبجمال قدرتنا على التعايش معه؟ لماذا لم تعد الحياة غير المكيفة كهربياً جميلة؟ أليست تلك الحياة التى لا تكلفنا أن ندوِّرَ عجلة الاقتصاد التكييفى العالمى؟ أليست جميلة عمارة الطراوة التى حاول حسن فتحى إحياءها؟ أين بيت جدى الذى كل خطوة فيه لها معنى؟ لماذا لم يعد هناك فن رائع متجدد للخط العربى؟ ولماذا أصبحت لافتاتنا المكتوبة بحروفنا العربية قبيحة؟ لماذا كرهنا أنفسنا لهذا الحد؟

هل أنا ضد الحداثة؟

وهل هذه من ضرورات الحداثة؟

أيام كان الناس يسمحون لى بسذاجتى -بحجة الطفولة-، كنت فعلاً أشعر بالفخر ببلدى. لم أعد أفخر بشىء، لم يعد أحد يفخر بشىء، فكيف أربى ابنى؟؟ وكيف أمنعه من الانتحار أملاً فى فخر آخر؟؟، كان يهيأ لى أننا البلد الوحيد فى العالم الذى هو إسلامى ومسيحى معاً. بالنسبة لى كان العالم الخارجى هو مسيحى فقط، أو مسلم فقط، أو غيره فقط. أما نحن فكنا الوحيدين اللذين لسنا "فقط" أبداً، وكنت فخوراً بذلك بمنتهى السذاجة. كنت أفخر بأن لى آخر، وأننى معه نكوّن هذا الذى ليس لديهم، هؤلاء الذين ليس لديهم آخر يحبونه، كنت أفخر أن لى آخرى المسيحى -الذى يعدنى بمعرفة رائعة عما لا أعرف حين أتقرب منه. يبدو أن الحضارة لها رصيد لا يستهان به فى إدراكات السذج جداً، الأطفال تماماً. كنت أشعر أننى أتميز عنهم وأننى أغنى منهم، وأن لدى ما لا يعرفون عنه شيئاً، وأن تلك كانت هويتى، هل كنت تشعر ذلك يا مينا؟ هل نحن بهذا ضد الحداثة فعلا؟

كنا فخورين، وكان لنا الحق فى ذلك من قبلهم. فرضت علينا مواطَنَـتُنا المصرية أن نوقن أن هناك أكثر من صيغة لتوحيد الله، كلها تجمعها مصر. وفى المقابل –المسكوت عنه- أتذكر الآن ما سمعته على لسان فتاة نيوزيلاندية تقوله بمنتهى الحسم والثقة: "لماذا هى مختلفة، لماذا لا تكون مثلنا؟" هذا ما قالته بالنص المترجم حرفياً. سمعتها تقوله مستفَزّة أيما استفزاز، وعدوانية أيما عدوانية، كانت تعلق بقولها هذا على فتاة محجبة رأتها فى أحد المحلات التجارية. كان ذلك فى 1997، أى قبل "11 سبتمبر" الشهير بزمان. كانت الفتاة المحجبة لاجئة صومالية ممن منحتهم دولة نيوزيلاندا حق اللجوء هرباً من أحداث الصومال قبل سنين. أما أنا وأنت فكنا نعرف أن المسيحى مؤمن، وأن المسلم مؤمن، فلماذا أصبح بعضنا كفاراً فى نظر بعضنا، وأصبح البعض الآخر فى نظر البعض الآخر ليسوا من شعب الله؟؟

هكذا كنت أتصور، وتلك هى الأفكار التى لا أعرف لماذا تغيرت؟ لصالح إعلاء شأن أية حقيقة؟ إن الحقائق هى ما نختار أن نصدقه، فلماذا تنازلنا عن تلك الاختيارات الجميلة القديمة؟ لصالح أية معرفة وأية إعاقة؟

أوحشنى أن أوضح سياقى هذا لكل أجنبى أتفاخر أمامه بما هو "نحن"، "نحن" التى أنا جزء منها. ترى! أهى مصر التى غابت؟ غابت فراح المسلم والمسيحى يبحث كل منهما عما يعيد إليه فخره بهويته منكراً على الآخر أن يمارس الأمر نفسه، إذ ستكشف الممارسة المقابلة تهافت الممارسة الأولى.

المشكل يا مينا ليس فى أنك مسيحى وأنا مسلم، ولا فى أنى متمسك (أصبحت متمسكاً وأكثر فرحاً) ولا فى أنك متمسك. المشكل هو فى أن ما كنا ننتمى إليه معاً لم يعد حاضراً. هذا هو ماشككونا فيه وما نجحوا فى الوصول به إلى الضمور.

مصر ضامرة يا مينا، حلم الاشتراكية ضمر، اتساق الحداثة الواضح ونصوع هدفها ضمر، معنى المقاومة أو النضال ضمر، الأمم المتحدة ضمرت، الفلسفة ضمرت، الفن ضمر والأدب ضمر، الأحزاب السياسية، البرامج السياسية ضمرت، التأكد من أى معلومة مهما كانت ضعيفة ضمر، إدارة الدولة ضمرت، معنى الوطنية والمواطنة والوطن وضرورته وحتميته ضمر، فِرَق الرياضة المصرية ضمرت (أكثر)، بيت جدى الذى كل خطوة فيه لها معنى ضمر، المعمار الجميل ضمر، حتى العدو الواحد الذى كان يجمعنا ولو قسراً أصبح ضامراً بوصفه عدواً واحداً، حتى العِلْم الذى أرادوه إلهاً حديثاً أصابه سرطان المعلومات المتشعبة المفككة غير المنجزة، وأصبح ضمور ألوهيته وواحديته كنسق للمعرفة رحمة متوقعة.

 وحده الدين حافظ على تماسكه وضرورته. لم يعد للهوية ملجأ إلا هذا الصرح الأخير. هل هكذا نتورط فيما نتورط فيه أنا وأنت؟ يضطر أحدنا أن يقرن ذاته بصورة عن الدين ليست فى الواقع إلا تشكيلاً للهوية وخندقاً للاختباء من فرط سرعة التغيير المدمر للمعنى، وذلك بعد أن كان أصل الدين طريقاً للحياة، والقرب من الله فى الوقت نفسه، طريقاً لا تحرم الطرق الأخرى عرفاناً بجدارة هذا التقريب؟ 

هل ضياع مصر -التى تحولت إلى بلد طارد لمواطنيه بعد أن كانت قبلة لكثير من الأوروبيين مثلاً- هو ما ألجأنا إلى الاحتماء فى الدين محولينه إلى سياسة متشنجة فى الزمن الخطأ؟ لم نعد نجتمع يا مينا كما كنا نجتمع فى كل ما تمثله مصر. حتى شم النسيم يريدون إخراجه من نسيج الأعياد البديع.

أم أن المسألة أن كل الأنساق الكبيرة تتهاوى، مصرية كانت أو غير مصرية؟ وفرة المعلومات والإبداع والكتابة والنشر والإعلام الموجه وغير الموجه والفضائيات وحرية النقد المتلاحق والملاحق لكل نسق أسقطت كل العمائر التى كنا نسكنها فلم يعد لنا إلا الدين نسقاً متكاملاً ومتسقاً؟ التفكيك يطول كل شىء (سواء كنت تفكيكياً أو لم تكن؛ فالتفكيك هو ما يحدث). لا عادت المذاهب ولا النظريات تغريك بالانتماء، ولا القيم ولا الأعراف ولا التقاليد عادت قادرة وحدها على أن تقول لا لإيقاعات التغير التى لا تعد بأى معنى بديلاً عن المعنى الذى كانت توفره تلك الأعراف القديمة، ولا الأسطورة بكل مجازيتها ثابتة الشكل مفتوحة المضمون ظلت على احترامها. كل هذه الأنساق كان من المفترض أن تعطينا المعنى، ولكن معانيها لم تعد ترد إلا بوصفها ذكرى "أيام زمان".

عزيزى مينا:

لقد عشت بكل عمق رغبتى فى أن أتخلص من الاختيارات التى فرضت على من قبل أن أعى أى شىء. من اسمى، من يحيى الرخاوى، من علم النفس، ومن مصر. عشتها حتى غيرت اسمى (بدأت أختمه فى الكتابة اللاتينية بحرف ال i  بدلا من حرف ال y الذى يستعمله يحيى الرخاوى، ثم تراجعت)، كما تباطأت فى دراسة علم النفس وحاولت أشياء كثيرة أخرى، وهاجرت مبتعداً عنه وعن مصر. ولكننى اخترت أن أعود لكل هذا، ومن أهمه وجودك فى حياتى. لقد أوضح لى نقاشى معك فى الفروق بين ديانتينا أننى لولاك لما اضطررت لأن أوضح لنفسى جواهر اختياراتى فى دينى. أتمنى أن تكون قد عشت مثل ما عشت بسبب نقاشى معك، أن تتضح لك جواهر اختياراتك فى دينك.

أدعو لك يا مينا بنعمة التوحيد التى لا أتصورك بعيداً عنها أصلاً. لا أفهم ثالوثك، وربما ليس من الضرورى جداً أن أفهمه، ولكننى أتمنى أن يستوعب ثالوثك نعمة التوحيد؛ لأننى أحبك.

أدع لى يا مينا بنعمة التوحيد، التى لا أتصورنى بعيداً عنها أصلاً. أنت لا تفهم اعتقادى فى تجرد الله المطلق وتعاليه عما تصفون بما فى ذلك عيسى عليه السلام، وربما ليس من الضرورى جداً أن تفهمه، ولكننى أتمنى أن تتمنى لى أن أفهمه، وأن يكون ذلك لأنك تحبنى، وتحب مصر التى ما زالت ممكنة.

 

Featuring WPMU Bloglist Widget by YD WordPress Developer